افتتاحية المؤتمر السادس والثلاثين للأبيمونديا في فانكوفر

 

 

أن أي تاريخ ينتهي بصفر يستوجب من الناس التوقف عنده، كما أن البدء بألف سنة جديدة هو مناسبة رائعة لتقييم اين كنا واين بلغنا والى اين نحن متجهون؟

 

في تربية النحل، لقد تطورنا وانتقلنا من تربية النحل في قفران ذات اقراص ثابتة يصنعها النحل بنفسه بكاملها في جرار فخارية او سلال من عود مطينة بروث البقر – الى تربية النحل الفنية الفنية الحديثة في صناديق خشبية ذات مقاسات عالمية صحية المناخ وتحمل اقراصا اصطناعية متحركة يمكن فرز عسلها آليا وأعادتها الى قفرانها من اجل توفير الوقت والجهد والمال.

 

واليوم يتقدم مجتمعنا بوتيرة متسارعة لم يسبق لها مثيل في جميع الحقول التكنولوجية والعلمية ، ومؤتمر الأبيمونديا 99 هو مناسبة رائعة لنبحث في مستقبل تربية النحل في عالم حيث الذي نعرفه اليوم ربما سيكون له تأثير قليل على الموقع الي سنجد نفسنا واصلين اليه غدا.

 

وأن أول وربما الأتجاه  الأكثر وضوحا للمستقبل أن تربية النحل سوف تتحول أكثر فأكثر نحو الجماعية هي والتجارة من خلال انتشار تكنولوجيا المعلومات. أذ اليوم تتحرك كمية هائلة من العسل بالطريقة الجماعية كما تتحول الأسواق العالمية لتصير أكثر تعقيدا ومتطلبات. لذلك لن يستمر بالوجود النحالون المنفردون المحدودون  في هذا المناخ التنافسي، وفقط اولئك الذين ينتبهون جيدا الى الصفقات التجارية الجماعية واتجاهات الأسواق سوف تزدهر مبيعاتهم .

 

الكومبيوتر والمعلوماتية سيواصلون تقدمهم، كما ان سرعة الدخول الى مختلف المعلومات حول مواسم أنتاج العسل وألأمراض والأوبئة التي تصيب النحل، والأسعار، ستصبح ضرورية جدا لدرجة الربح او الموت لكل الذين يعيشون من انتاج وتجارة العسل.

 

وسيكون للمستهلكين تأثير كبير على تربية النحل، في ارتدادهم لطلب منتج طبيعي ونقي 100% بينما ستتكفل التكنولوجيا غدا بتحليل الطبيعي من المغشوش في مختبراتها المتطورة. فالعسل التجاري اليوم يحوي آثار مبيدات وعضه مغشوش علنا بسكر الرة وشبيه العسل. فنحن ما زلنا لا نملك اليوم تقنيات التحاليل المخبرية التي تكشف كل انواع الغش في العسل. نحن فقط نستطيع بمكاناتنا الحالية كشف أصغر نسبة من الملوثات، ولكن التقنيات التي تكشف أقل نسبة من المواد الغير المرغوبة في العسل تتنامى يوما عن يوم. بحيث يمكننا التأكيد ان تجارة العسل في المستقبل القريب لن يبقى فيها ألا العسل الطبيعي الصافي والأنقى 100% .

 

ونحن كنحالين يجب أن نرحب بهذا التوجه، لأن الفرق الوحيد بين العسل الصافي والسكر هو اقتناع المستهلك بأن العسل هو أنتاج طبيعي نقي ومفيد للصحة.

 

وأذ نتطلع أمامنا الى فقط السنوات القليلة الأتية، سنجد ان الأوبئة والأمراض التي تصيب النحل ستصبح مقاومة لمعظم الأدوية المتوافرة حاليا في الأسواق . ولذلك سيكون علينا أختراع أو أكتشاف أدوية جديدة. والنحالون وقعوا في نفس الفخ الذي وقع فيه المزارعون  عندما أكثروا من زيادة استعمال كيماويات اصطناعية مؤذية. لكن يمكننا ان ننتظر المستقبل الذي يأخذنا الى الأندماج بخط استراتيجية أبقاء الأوبئة بمستوى تحت السيطرة والتخلي عن استرتيجية افنائها، والتوقف بالتالي عن استعمال معايير (مقادير) قوية ومتتالية من المضادات الحيوية والأنتقال الى استراتيجية مكافحة متعددة الأشكال والأنواع والأساليب.  وهذا التحول سوف يكون هاما جدا خاصة وأن مستهلكي العسل أصبحوا أكثر تطلبا وأقل قبولا باستعمال المبيدات حتى ولو تركت أقل نسبة من الجزئيات من رواسبها في العسل.

 

وسيكون للعلم والتكنولوجيا تأثيرات أكبر على تربية النحل ، وخصوصا في مجال تلقيح النحل للأزهار، وعلى سبيل المثال، طورنا جاذب من فيرومون ملكات النحل لجذب النحل الى تلقيح نوع معين من المزروعات وهذا الجاذب الذي دعوناه معزز الأزهار يستعمل اليوم من قبل المزارعين لزيادة انتاج الحقول من بعض المواسم التي تتطلب التلقيح.  بينما طورت مختبرات اخرى في العالم استعمال انواع اخرى من النحل للتلقيح داخل الخيم البلاستيكية ويمكننا ان نتوقع مزيجا من اساليب التلقيح فور دخولنا الألف الثالث، كما اننا سنتعرف اكثر واحسن الى النحل يومها.

 

لقد قمنا بتقدم كبير في السنوات الأخيرة في حقل تقهم بيولوجية جسم هذه الحشرة البديعى نحلة العسل. نعرف مثلا ان هناك ثلاثة انواع في نفس جنس النحل بالقفير ناتجة عمن كان جد كل نحلة منها. وتعلمنا مؤخرا ان كل واحد من هئولاء الثلاثة يتصرف مختلفا عن اخوته. وهكذا لم يعد القفير مؤلفا من نوع واحد كلي التجانس، ولكن بالرغم من هذا الأختلاف البسيط، نجد أن كل واحد يعمل عمله من دون خطأ. وها نحن قد بدأنا نتعلم مختلف حلقات الربط  بين الجينات والهرمونات والنشاطات وبواسطة هذه المعارف بتنا قادرين على تأصيل انواع من النحل لمختلف انواع من الأعمال كميل تلقيح ازهار المزروعات مثلا. ولكن بعض الأشياء ستبقى هي نفسها من دون تغيير. فالملكات لن تصير أحسن بمقدار ما أصلنا في أجناسها. قد يصير بأمكاننا تأصيل ملكات بصفات مختلفة، ولكنني أشك اننا سنتوصل الى خلق ملكات  تنتج عسلا اكثر من الذي تنتجه أفضلها حاليا. كما أن النحالين سيتابعون عملهم الشاق في تربية النحل الذي يأخذ منهم وقتا طويلا ومجهدا، وطبقات العسل العليا (الأضافية) لن تصير أخف على ايديهم، ويوم العمل الذي يتطلبه انتاج العسل لن يصبح أقصر مما هو اليوم. وهكذا ستبقى تربية النحل عملا في مزرعة.  وستتطلب دوما زنودا قوية وساعات عمل طويلة ومتعبة لأنتاج دخل كاف لصاحبها.

 

وكل الذين منا يخافون من التغيير، اقول لهم انه مطمئن ان نعلم ان تربية النحل هي جزء من الطبيعة . وستظل مجال العمل الأفضل للبقاء على اتصال وثيق بالحياة البرية.

يقول توماس هاكسلي في كتابه " موقع الأنسان في الطبيعة" :

"أن سؤال الأسئلة للجنس البشري، والمسألة التي هي الأكثر أهمية من غيرها، هي تأكيد الموقع الذي يحتله الأنسان في الطبيعة وعلاقته بالعالم غير المحدود للأشياء"

والنحل يساعدنا لنتعرف أكثر وافضل على انفسنا : من نحن ومن أين جئنا وبطرق عديدة هذه هي الأمثولة الأهم التي نتذكرها كل يوم عندما نعمل في تربية النحل. والنحل يؤمن دخلا لكل منا ولكن بالأضافة الى هذا الدخل هناك التعاطي مع هذه الحشرة غير العادية، وأذا كان لي أن أتمنى أمنية للألف الثالث القادم فستكون ان تستمر تربية النحل في تقريب علاقتنا وتمازجنا بالطبيعة.

 

آمل اننا لن نخسر حسـنا بالتعجب من هذا الكائن الصغير المعقد: نحلة العسل، الذي جمعنا اليوم بالألاف من اطراف الدنيا 

                                        

                                                   رشيد يزبك

  

                                                 عن مارك ونستون