النحال المنكود الحظ
كل الذين مروا
بجديدة المتن في ذلك اليوم المضحك المبكي، نالوا أكيدا نصيبهم، فجارنا، صالح
المرهج، النحال السيء الحظ أكثر بكثير من الصياد المشهور بنفس التسمية، كان قد جلب
من بلدته عبرين، فوق البترون، عشرين قفير نحل على ظهر بوسطة الضيعة، وصل بها الى
حينا في الساعة الواحدة ظهرا من 14 تموز 1961.
فهو، كعادته كل
مطلع صيف، يروح الى مسقط رأسه، فيشتري منحلة جديدة عوضا عن منحلته التي تخرب كل
شتاء لخبرته الهمايونية في علم تربية النحل.
وكان صاحبنا يجمع
الى هذه الخبرة بخلا ولا الجاحظ. ولهذا ركب بوسطة الضيعة من بيروت، فلما وصل الى
عبرين بادر الى شراء عشرين قفير نحل على شكل سلال طويلة من عود مطينة بروث البقر
والدلغان ومزروكة بالنحل والعسل، حنى تكاد تتفزر، فسد أبوابها ومضى ينام على سمخ
دينته حتى يطلع الصباح وتدور البوسطة في الضيعة تنادي على ركابها. فحمل قفرانه على
ظهرها وراح يرقص معها التانجو على طريق ترابي محفر وفي كثير من الحفر العميقة رقص
الدبكة في صميم شمس تموز المحرقة، طوال ست ساعات، من عبرين الى جديدة المتن.
ولا أريد أن اقول
ان صالحا المسكين، لم يكن يحس مع نحلاته المسجونة في سلال مطينة منذ مساء اليوم
السابق، وتتخضخض من حفرة الى كوع ومن توقف مفاجيء الى أنطلاق أعنف. لكن ماذا يفعل
المسكين ببخله الذي يمنعه من ان يستأجر لها شاحنة صغيرة تقله واياها بنفس الساعة
في الليل فور تسكير ابوابها.
المهم، وصل صاحبنا
الى الجديدة، وأسرع ينزل القفران ويشقعها امام منزله المحاط بالمنازل الأهلة. وقبل
أن تمضي البوسطة عائدة كان هو يندب على قفرانه، زقلبه يا حزني عليها من أن تكون قد
فطست من الحر وانقطاع الهواء. فلما فتح القفير الأول، حتى انطلقت منه قنبلة من
النحل الغضبان الشرس بسبب طول فترة التسكير والخض وارتفاع الحرارة، هاجمته على
وجهه ويديه ورجليه. ولكنه تشجع وتجاهل قرصاتها الموجعة على كل ما ظهر واستتر من
جسمه الضخم ففتح القفير الثاني الذي كان اشرس من الأول فهاجمه بفرق الكومندوس.
المسكين. أسرع
يأخذ ملحفة كانت منشرورة على حبل غسيل للجيران فلفها على جسمه، وهجم على قفران النحل
المتبقية، وبيديه الأثنتين، راح يفتحها أثنين أثنين.
كيف عرفت الخبر:
كان الهواء ساخنا
والريح مجنونا، وكما قلت، تكاد الساعة دق الواحدة في كنيسة مار سركيس. ووراء مكتبي
كنت اراجع بعض دفاتري عندما سمعت أزيزا لعشر مقاتلات، ثم صرخة ولد، ثم ولولة امرأة
ثم صياح والدتي. ماذا تفعلين يا أم فؤاد خارجا في مثل هذه الساعة؟ فخرجت الى
العتبة فأذا كل جيران الحي يركضون كلا بأتجاه ويهولون بأيديهم في الهواء
كالمجانين. فكدت أصدق أننا نتعرض فعلا لهجوم جوي. ولكن موجة من النحل الأسود لفتني
وراحت توسعني لسعا فتراجعت وأغلقت الباب وانسحبت الى النافذة لأتابع من خلالها
أغرب حادثة رأيتها في حياتي.
كان النحل ينبثق
من القفران العشرين كما من عشرين بركان ثائر بحيث لم يبق نحلة واحدة داخل القفران
لمخ تشارك بالهجوم لشدة حنقها واهياجها علما ان في كل قفير خمسون الف نحلة فتصور…
أمتلأت السماء كأنما
بالسلاح الجوي للأربع حلفاء مجتمعين، فحجبت الشمس وكان كسوف بدون موعد وبدون
أعلان. وبينما راحت نحلات المطاردة تدور الف دورة حول المقاتلات، زارعة الرعب
والموت في كل شيء يتحرك حتى ولو كان نباتا أو ثيابا منشورة على حبل غسيل. وبما أن جميع هذه الأشياء كانت تهتز بفعل
قوة وكثافة اندفاع النحل بالأتجاهات المختلفة في دائرة لا يقل قطرها عن مائة متر،
فأن كل شيء كان يقرص ويقرص في انقضاض صاعق نزولا وصعودا على البطن وعلى الظهر. حتى
سيدات القن اللواتي يتباهين بصداقتهن للنحل، كن يركضن بأرجلهن القصيرة، واجنحتهن
مفتوحة على وسعها، يسابقهن الديك الى المزرب الواطيء، ووراءهن موجة من النحل
الثائر المهتاج لا تزال تقبلهن وتقبلهن حتى تميتهن.
أما على الطريق
العام، أزاء المنحلة، فقد توقف السير لأول مرة بدون قوة وحتى بدون تهديد بالقوة.
ومن أجل المائة متر الخطرة، كان على المارة أن يستأجروا عربة محكمة الغلق. والغريب
الذي قاده حظه السيء ذلك النهار الى جديدة المتن، كان يبدأ عندما يقترب من الطريق
المواجهة لساحة المعركة بحركات انفعالية من يديه في محاولة فاشلة لرد النحل عنه،
وكانت حركاته تشتد وتتسارع كلما فقد اعصابه وحوصر بالمهاجمات من امامه وورائه
فيعود لا يقوى لا على التقدم ولا على التراجع فينبطح ارضا ويروح يتمحدل على
الأسفلت وفي اذنيه أغاني قتال لنحل شرس مهتاج الى اقصى الحدود.
حتى بقرات جارنا
الحلوبات المؤصلات وصلهن حقهن كاملا من العرس. كان منظرهن فعلا مضحكا مبكيا أذ كن
يرقصن كالمجنونات على موسيقى من صراخهن تفتت القلوب. وكان صاحبهن الذي جاء ركضا
على الصوت، قد لاقى هو الآخر استقبالا رائعا لم تنقصه الموسيقى ولا الغناء ولا
الرقص وخصوصا الاف القبل الموجعة .فلما راح يمسح عن أجسام بقراته طبقة من النحل
بكيس من الجنفيص، اضطر ان يعيد مسحها عشرات المرات لأن طبقة جديدة من النحل كانت
تتكون بسرعة مكان الطبقة التي نزعها.
وقد بدأ الهجوم
فيما أظن بوصول بضع نحلات كن يفتشن عن شيء يهتز ليصببن عليه جام غضبهن فوجدن أذناب
البقرات تتحرك من اليمين الى الشمال ومن الشمال الى اليمين لتبعد الذباب أصلا
وكلما حاولت البقرات في سذاجة بلهاء أن ترد هجمات النحل بتسريع ضربات أذنابها،
كانت طبقة النحل على أجسامها تتكثف وتسمك الى درجة ان تحاول الأخيرات الوصول
بمعاقيصهن الى جلد البقرات عن بعد من فوق أخواتهن. وهكذا لم تمض فترة حتى تغطت
الأرض بالنحل الممعوس الذي كان يزحف بآخر بقية قوى فيتسلق رجلي صاحب الأبقار ويملأ
عليه سرواله ويروح بين الفينة والأخرى يفرغ مع النفس الأخير ما بقي لديه من سم في
معقاصه.
مسكين بقارنا. كان
كلما نادى على صالح المرهج لينجده، يروح يبتكر شتائم لم تخطر على بال أحد وهو
المشهور بأدخال مفردات جديدة الى قاموس الشتائم. لكن النحال كان قد هرب بعد أن يئس
من السيطرة على المعركة ونتائجها. فهو لم يعد يهمه ان تسلم قفرانه التي تعب في
حملها من قريته اليوم، مع انه دفع ثمنها ليرات لبنانية كاملة التغطية، كان يصلي
فقط كي لا يموت أحد.
أما الكولونيل
عيدو، الذي كان يغلي خلف نوافذ منزله، وهو البركان يقذف الحمم من دون ان يكون من
سبب للثورة، فمن المؤكد انه لو تجاسر يومذاك من الخروج من بيته، لكان أرسل صالحا
المسكين محمولا الى مدافن مار انطونيوس.
الحسنة الوحيدة
لهذه الكارثة، وهي في رأيي كافية لتمسح عنها هذه الصفة، أن ثلاث نحلات علقن بشعر
جارتنا الجميلة فكادت تموت المسكينة رعبا وراحت تركض نحوي لتدفن رأسها البديع في
حضني وتولول: ويا رشيد دخلك خلصني.
فأمسكت النحلات
المهاجمات بلحظة، ولكني بقيت للحظات أوهم نفسي وأوهمها أنني ما زلت أفتش في هذا
الرأس الحلو الذي لطالما تشهيت أن أضمه، عن نحلة ضائعة لا زالت هي تحت وهم طنينها.
وكان يجب ان تمر
اربع ساعات ليعود تدريجا السلام من جديد الى ارض المعركة، ويعود ما تبقى من أسراب
النحل المغير الى قفرانه. ومع ذلك فأن أحدا لم يجسر على الخروج من مخبئه. كانت
المسألة تتطلب مزيدا من الشجاعة وحب المخاطرة. وسنتمترا بعد سنتمتر فتحت الأبواب
وخرج أصحابها مترددين يستعدون للهرب لدى أقل حركة، واتجه كل واحد ناحية مقتنياته
وليرى أن كانت الدنيا ما زالت الدنيا وكأن ما حصل لم يحصل.
كانت الشمس قد
اختفت وراء قرميد بيت الكولونيل عيدو، وعلى هدي ما تبقى من الضوء، وصلت أم خليل الى
القن فأذا الأرانب الخمسة بلا حراك ولا نبض ايضا. ولم يكن حظ ديوك الحبش التي طقت
وماتت هذه المرة من دون ان يقبروها تحت الزيتونات أحسن منها. وقد خسرنا نحن عشر
دجاجات من التي بيضها من ذهب. وفيما راح كل واحد يقيد في دفتر ما خسره ليطالب صالح
بتعويضه، كان كل منا يخفي ضحكة عن رفيقه. ذلك أن أحدا لم يسلم من عقص نحلات صالح،
وكان بعضه قد تورم في ساعات أضعاف أضعاف حجمه الحقيقي. كان أنف ورده مثلا قد انتفخ
أكبر من تفاحة، وعين اختها سعدى كأنها أدخلت وراءها ليمونة في حين كان خليل قد
تحول الى سنغالي غليظ الشفتين بفعل عقصة سامة.
ولماذا التعداد،
فقد تقوم قيامة احداهن علينا وتتهمنا بسوء النية في التبشيع عليها. ألا يكفي أن
أحدا لم يطالب نحالنا المنكود الحظ بأي عطل وضرر حتى البقار الذي خسر حليب بقراته
المسمم طوال اربعة ايام بينما في بلدتنا صار يؤرخ هكذا: سافر ابو مراد قبل ان يجلب
صالح المرهج نحلاته من عبرين.
رشيد يزبك - نقيب النحالين اللبنانيين