تعاني تربية النحل في العالم وخصوصا في لبنان
والدول العربية ، من صعوبات جمة ، أهمها تصريف أنتاجها من العسل بأسعار تسمح لها
بالأستمرارية . وذلك نتيجة للمضاربة الأغراقية للأسواق بالعسل المستورد من الصين
بأسعار بخسة تقل عن دولار اميركي واحد للكيلو جرام .
وعندما طالبنا وزير الزراعة اللبنانية بفرض
ضريبة أضافية على العسل المستورد لا تتجاوز العشرة بالمئة من أجل تمويل كلفة حملة
اعلامية لتوعية المستهلكين على مزايا العسل البلدي الطبيعي أن من حيث نكهته وأن من
حيث منافعه الطبية ، أكتفى برفع الضريبة الجمركية على العسل المستورد 10 % وكأنه
يظن أذا زاد ثمن كيلو العسل الأجنبي 25 سنتا سيتحول اللبنانيون عن شرائه الى العسل
البلدي مع انه يعرف ان الفارق بالسعر بين العسل البلدي والعسل المستورد هو خمس
دولارات وليس 25 سنتا .
لكننا لو صرفنا هذه الضريبة على الغاية التي
انشأت من اجلها فمولنا بهذه العشرة بالمئة حملة تعريف للمستهلك :
1= بأن العسل روح حي ، وأن نكهته ورائحته
ولونه ومنافعه الصيدلانية تموت كل يوم بعد يوم حتى يصبح بعد سنتين عديم الفائدة ،
وضارا بالصحة ، هل يبقى أحد يقدم على شراء العسل الأجنبي الذي لا نعرف كم سنة مضت
على قطافه ؟
2= ولو أطلعناه على الفضيحة العالمية للأعسال
المستوردة المغشوشة التي كشفها مؤخرا نقابة منتجي النحل الفرنسيين ، والتي من حقه
ان يعرفها ، هل سيبقى فارق السعر عائقا في اختياره للعسل البلدي ؟
لقد فقدت كندا في السنوات العشر الأخيرة
حوالى 75 % من تعداد مربي النحل عندها ، وفي الوقت الذي يحارب فيه نحالو الولايات
المتحدة على جميع الجبهات ليستمروا في المهنة ، اكتشف النحالون الفرنسيون أكبر
فضيحة غش في الأعسال المستوردة والمباعة في المتاجر الكبرى في ألمانيا وبريطانيا
وأيطاليا .
ولو علم المسؤلون ان انسحاب مربي النحل من
المهنة سينعكس ضرره نقصانا في الأنتاج الزراعي كما ونوعا بنسبة تزيد عن 50 % بحسب
المنظمة العالمية للأغذية والزراعة وسيؤدي الى انقراض مئات الأنواع من النباتات
البرية المسؤلة عن تلطيف المناخ واستمطار المطر وملء خزانات الأرض من مياه الشرب
والري وتحويل ثاني اوكسيد الكربون الى اوكسيجين صالح للحياة ، هل يهود من المسموح
عدم حماية النحالين اللبنانيين من المنافسة الأغراقية بالعسل المستورد المغشوش
سواء بالمواصفات ام ببلد المنشأ بحسب نتيجة حملة الأستقصاءات المسندة بأدلة
وبراهين مثبتة قام بها مؤخرا النحالون الفرنسيون .
بالنسبة لكندا كما بالنسبة لكل بلدان العالم
العسل هو المنتج الطبيعي المفضل ، أذ يكفي ان يقطف ويصفى ولا يجوز ان يباع تحت هذا
الأسم الا النتاج الطبيعي النقي الذي يجنيه النحل من الأزهار من دون ان يزاد عليه
او ينتقص منه اي شيء بعد ذكر اسم المنتج ووزن العبوة وبلد المنشأ والأزهار التي
جني منها العسل وتاريخ الأنتاج وتاريخ الصلاحية ، ولكن منذ عشر سنوات دخل على الخط
مصدر جديد للعسل هو الصين . ومن يومها بدأت الشكوك تحوم حول هذا المنتج . يقول
النحالون الفرنسيون ان العسل الصيني يشحن في براميل صدئة من حديد واكثر من ذلك
انها كانت مستعملة سابقا للهيدروكربور ( البنزين ) وفي كثير من المرات يكون مضافا
اليه قطر السكر .
وبالرغم من ان لدى الكنديين جهاز مراقبة
مستمرة لكشف غش العسل في كل مراحل انتاجه عند النحال ثم عند المعبىء ثم في المحلات
التجارية . وبالرغم من انهم يمنعون دخول اي عسل اجنبي قبل اخضاعه للفحوص المخبرية
، فقد صعب عليهم في اول الأمر التأكد من ان العسل المستورد من الصين قد جني فعلا
من ازهار الأكاسيا كما يدعون وليس من ازهار النفل ، كما صعب عليهم التثبت من ان
العسل المعروض في المحلات التجارية هو فعلا عسل كندي 100 % وليس مزيجا من عسل صيني
وعسل كندي ، وحتى انهم لم يستطيعوا اولا الأطمئنان الى انه عسل طبيعي وغير مغشوش
بقطر السكر .
وبناء عليه أخضعوا العسل لفحصين مخبريين
للتثبت من انه لم يتعرض للمزج بقطر السكر :
الفحص الأول بطريقة وايت ودونر المطبقة منذ
1980 والتي تبين فيما بعد انها لا تستطيع ان تكشف كل اساليب الغش المستحدثة بقطر
السكر ولذلك استبدلت بطريق وايت ووبنترز سنة 1989 المبنية على تحليل البروتايين في
العسل والمطبقة في العالم اجمع اليوم بعد ان أثبتت فعاليتها في كشف الأعسال
المغشوشة بقطر سكر القصب وسكر الذرة .
لكن الغشاشين عادوا وابتكروا طريقة جديدة
لتحويل سكر القصب لا يمكن كشفها بطريقة وايت ووينترز وكأن هذه المسألة تشبه لعبة
الغميضة او العسكر والحراميه فكلما ابتكر العلماء طريقة لكشف الغش طور الغشاشون
اساليبهم لتمرير اعسالهم المغشوشة .ومن هنا اضطر العالم كركفليت لابتكار طريقته
المعتمدة على نواضير جبارة مكبرة جدا تكشف آثار شعيرات قصب السكر في العسل المغشوش
.
ولهذا يجب الأعتماد على تحليل حبوب اللقاح
الموجودة في العسل لأن كل عسل يحمل ازهار بلده وعندما يكون لدى الفاحص بنك معلومات
لكل حبوب اللقاح يستطيع أن يكشف ان كان هذا العسل فعلا من كندا ام من الصين .
لقد قامت نقابة منتجي العسل في فرنسا بحملة
استقصاءات وتحاليل منذ ثلاثة اشهر على نقاء العسل المعروض للبيع في المتاجر الكبرى
مستعينة بمختبري سنيفا وأوروفين فجاءت نتاج التحاليل واضحة جدا . فمن بين 17
مرطبان عسل مفحوص بطريقتي وايت ودونر ووايت ووينترز وجدت مختبرات اوروفين خمسة
مراطبين عسل مغشوشة بالتأكيد وواحد مشكوك فيه . بينما وجدت مختبرات سنيفا ستة
مراطبين عسل مغشوشة وقد استعملت طريقة كركفليت التي تعتمد على التفتيش
بالميكروسكوب عن خلايا نباتية في العسل مما يؤكد تعرضه للغش بسكر القصب او القمح
او الذرة او الأرز وغيرها .
والأسوأ من ذلك انه لدى تحليل خمسة مراطبين
مشتراة من المحلات التجارية في ألمانيا وبريطانيا وأيطاليا تبين انها مغشوشة
جميعها بقطر السكر كما تبين ان كل الأعسال التي وجدت مغشوشة كانت مستوردة من الصين
. الأمر الذي لا يمكن ان يطمئن مربي النحل في الدنيا كلها كون الصين قد اصبحت
المصدر الأول للعسل الى كل بلدان العالم .
وأذا أخذنا مثلا على ذلك كندا فأن استيرادها
من العسل الصيني قد زاد خلال ست سنوات بمعدل 1092 % ، أذ كان عام 1990 عشرة اطنان
واصبح عام 1996 عشرة الاف وتسعمائة طن . وهذا ما دفع نحالي الولايات المتحدة الى
الضغط على السلطات لاستصدار قانون لتحديد حصة لا يمكن تجاوزها لاستيراد العسل
الصيني . وقد تبين أن للعسل الصين بالأضافة الى الغش له صفات اخرى يجدر بنا ذكرها
أذ وجد في بعضه :
1= آثار تراب ورمل مما يدل على ان النحالين
قاموا بلمه عن الأرض كلما سال بعضه خارجا .
2= وجود كمية كبيرة من أوكسيد الحديد الناتجة
من تعبئته في براميل صدئة .
3= وجود رواسب من منتجات كيماوية كانت معبئة
بالبراميل سابقا .
4= والأسوأ من كل ذلك ان بعض المستوردين
وجدوا ان البراميل التي شحن لهم العسل فيها كانت مخصصة سابقا للبنزين .
ومع ان مراطبين العسل في المتاجر الكندية لا
يحمل ايا منها ملصقات عسل صيني فقد استوردت كندا حوالى 11000 طن عسل من الصين سنة
1996 فأين ذهب هذا العسل ؟ في قسم منه بحسب مجلة اخبار الزراعة العالمية ( أجري
ورلد نيوز ) أعيد تصديره الى الولايات المتحدة ممزوجا نصفا بنصف مع عسل كندي ولكن
تحت اسم عسل كندي 100 % . أما القسم الأكبر منه فقد استعمل في صناعات الأغذية
الزراعية . ولذلك نجده في الحبوب والجاتو والمشروبات والجنبون وغيرها . وهذا يعني
أن كل الكنديين قد أكلوا دون ان يعلموا عسلا صينيا مغشوشا وملوثا ، مما يشوه سمعة
العسل على انه نتاج طبيعي 100 % في العالم كله ، طالما ان ألمانيا تستورد سنويا
80.000 طن عسل 40 % منه من الصين وتعيد تصديره الى لبنان والبلاد العربية وغيرها
تحت اسم عسل صنع في ألمانيا او عبىء في المانيا من دون الأتيان على ذكر الصين كبلد
منشأ العسل .
الأسوأ من كل هذا ان كندا تسمح باستيراد
العسل المصفى ( الذي خضع لتصفية دقيقة بمصاف جبارة ضيقة الفتحات بحيث لا تبقي في
العسل الا جزءا لا يذكر من حبوب اللقاح التي تكون هويته وبلد انتاجه الأصلي وتحرم
مختبرات التحليل من تقصي آثار ألياف قصب السكر التي تفضح غشه ) . صحيح ان هذا لا
يضر بطعم العسل ولكنه يحرم المختبرات من تحليل حبوب الطلع التي تكون فيه في الأصل
وهي التي تدل على نوع الأزهار التي جني منها وبلد هذه الأزهار فلا يعود بالمستطاع
التأكيد ان هذا العسل هو من الصين او من كندا وهذا يشبه الى حد ما ، انه طالما لم
يعد بأمكاننا ان نحلل النبيذ في المختبر فلماذا لا نسمي اي نبيذ نبيذ بوجولي
والعكس بالعكس طالما ان النكهة يتكفل بها الغشاشون بكل سهولة .
والآن ماذا ستكون نتيجة هذه الفضيحة على
النحالين الكنديين ؟ وعلى نحالة العالم ؟ طالما اننا جميعا في نفس المركب ؟ حتما
سيتأثر صيت العسل الكندي كعسل طبيعي 100 % حتى ولو كان حقا كذلك . والحل في أن
يطالبوا باستصدار قانون يمنع تصفية العسل بمصاف جبارة دقيقة الثقوب تحرمه من معظم
حبوب اللقاح التي كان يحتويها في الأصل وهكذا يستطيع المستهلك الكندي ان يختار بين
العسل المكفول نقاؤه وبلد انتاجه ومصدر رحيقه المتوجب ذكرها على ملصقاته وبين
العسل المستورد غير المكفول ولو كان سعره ألاخص .
من المؤكد ، وبحملة توعية ، ان كل المستهلكين
في العالم سيفضلون شراء العسل البلدي المكفول لو كان سعره دائما أغلى من غيره على
شراء العسل المستورد المشكوك بنقاوته وصفاته .
ولعل لبعض هذه الأسباب هبط استيراد كندا من
العسل الصيني من 10918 طن سنة 1996 الى 933 طن سنة 1997 ولكن هذا لا يعني ان كل
شىء قد تم تسويته الآن فقد اكتشف منتجو العسل الفرنسيين شحنات من العسل المغشوش
مصدرها الأرجنتين والمكسيك وجواتيمالا وتركيا وأيضا هنغاريا بشكل خاص . وقد بلغنا
اليوم ان الولايات المتحدة وكندا سوف تصدران قوانين تحدد مواصفات جديدة للعسل
وخصوصا بألزامية ذكر بلد الأنتاج على ملصقات المراطبين واسم الأزهار التي جني منها
العسل وطرق مثبة لكشف الغش وحتى منع تصفية العسل بمصاف جبارة دقيقة الثقوب تحرمه
من معظم حبوب اللقاح التي تثبت هويته .
وأننا لنعجب كيف تطالب شركة كبرى مثل نستله
وهي من اكبر مستوردي ومصدري العسل سواء في مراطبين لوحده او ممزوجا مع الأغذية
التي تصنعها ، بثلاثة امور لو تحققت لن يبقى في المحلات التجارية في العالم كله
مرطبان واحد من العسل الطبيعي 100 % ويومها على الدنيا ومربي النحل السلام .
1= تطالب نستله اليوم برفع نسبة الHMF المسموحة في العسل بحسب المواصفات
العالمية حاليا من 40 ملج بالكيلو الى 80 ملج بالكيلو ، علما بأن العسل عندما يقطف
لا يحتوي على HMF التي تبدأ تتنامى مع عمر العسل ويتسارع
نموها كلما كانت اماكن خزن العسل مرتفعة الحرارة . هذه الهيدروكسي متيل فورفورال
هي التي تفضح عمر العسل واحتفاظه بصفاته من حيث النكهة والرائحة والفوائد الطبية
الى ان تبلغ بعد سنتين حوالى 20 ملج بالكيلو ولهذا من الأفضل المطالبة بتخفيض نسبة
ال HMF في العسل بدلا من رفعها وليسمح لنا التجار
بأن يستوردوا عسلا جديدا ولو كان اغلى ببضعة قروش على ان يستوردوا لنا ستوكات أكل
عليها الدهر وشرب ولم يبق فيها من العسل الا الأسم المزور لأنه بات يضر
بالمستهلكين من البشر او من النحل .
2= تطالب نستله بأعفاء المصدرين من ذكر بلد
منشأ العسل الذي استوردوا منه اعسالهم وهذا حق للمستهلك ان يعرف مصدر العسل الذي
يأكله فلعله لا يريد أن يأكل عسلا صينيا .
3= تطالب نستله وهذا أخطر المطالب بأن يسمح
للمصدرين بتصفية أعسالهم في مصاف جبارة دقيقة الثقوب تحرمه من معظم حبوب اللقاح
التي تكون هويته من اي بلد جني ومن اية ازهار وتشكل الدليل للمختبرات على عدم تعرضه للغش .
وفي حال نجاح نستله في تمرير هذه المطالب
وشرعنتها بتغيير المواصفات الحالية المفروضة للعسل في كل الدول، لا سمح الله ،
لأصبحت كل انواع القطر المصنع في العالم تباع اليوم تحت اسم عسل من دون ان تتمكن
حماية المستهلك من ملاحقته وفضح غشه .
وفي الخلاصة تعترف نقابة منتجي العسل
الفرنسيين بأنها مع كل النحالين في العالم أضعف من أن يجابهوا دولة كالصين . وبما
ان الكثير من الدول قد تبعت الصين في غش العسل ولم يعد حكرا عليها ، فالمطلوب من
الذي بدأ بالغش أن يبدأ بالأصلاح .
وبانتظار أن يتحقق كل ذلك ، ننصح المستهلكين
الذين سرسدون أن يأكلوا عسلا طبيعيا 100 % أن يساندونا في حملتنا هذه ضد غش العسل
وضد الشركات التي تريد ان تغير القوانين والمواصفات لتمرير اعسالها المغشوشة سواء
بالتحليل او بالعمر او ببلد المنشأ او بمصادر الرحيق .
رشيد يزبك
نقيب النحالين اللبنانيين
وامين سر اتحاد النحالين العرب