ولدت لنا نحلة
في نهار مشمس رطب وحار من
مطلع الصيف الماضي، كان جيز الحصاد زيزو يلقي قصيدته الواحدة بعد المئة، بينما
كانت الفراشة ألوان تهيم بكسل وبدون هدف من زهرة الى أخرى .وفي ظل شجرة التفاح،
غير بعيد عنهما، كان بيتنا الجميل المصنوع من الخشب والمدهون باللون الأبيض اللماع
النظيف. وكانت الفسحة امامه تمتلىء وتفرغ بشعب صغير يدخله ويخرج منه يدعى نحل
العسل. أما في قلب هذا البيت - حسنا دعونا ندخل لنرى …
ها هي النحلة غنوة تسعى لتشق
طريقها خلال النخروب او الرحم الذي ولدت فيه، ويبدو انها فكرت طويلا فلم تجد
أمامها الا أن تشق سدادة الحيطان الشمعية التي تسجنها في حجرتها الصغيرة، فراحت
تنقر الغطاء الشمعي بعناد حتى انفتح امامها خرم صغير في نفس الوقت الذي خارت فيه
قواها وكادت تيأس. فاستردت ثقتها بنفسها وجمعت جسمها الطري ومدته فأذا هي على حافة
سطح الحجرة التي ولدت فيها. وعندها سمعت صوتا يقول لها :
أنت هنا، جئت في وقتك.
فتطلعت غنوة الى فوق، فأذا
بنحلة بنية كبيرة تحدق فيها من خلال أهداب عينيها الطويلة :
- أين انا، ومن أنا، وماذا
تراني صانعة هنا ؟ سألت غنوة بغضب.
-سؤال وراء سؤال، أجاب الصوت.
أولا أنت هنا في بيت نحلنا الذي نسميه قفيرا. وأنا مايا واحدة من خمسين الف أخت
لك. ونحن نعيش هنا مع ملكتنا بيا وحوالى خمسمائة أخ من الذكور. ونحن كما ترين عائلة كبيرة، وعندنا شغل
كثير مثل جمع العسل والطلع من الأزهار، تنظيف وحراسة البيت، أنضاج وحفظ الرحيق، وأخيرا أرضاع أخواتنا
الصغار. والان استعدي على ان تعملي بنشاط، وتذكري : لا لعب او تطردين.
فارتجفت غنوة وتبعت اختها
الكبرى الى الطابق العلوي حيث غرف الولادة كيفما التفتت. بعضها كان مفتوحا كالتي خرجت منها، وبعضها
كان لا يزال مغلقا. وكان يبدو ان
هناك عملا كثيرا يعمل، فتمنت غنوة لو تكون قوية كفاية، وفكرت : حسنا. سأحاول ان
اعطي كل قوتي. وهذا ما تحاول فعلا ان تفعله كل نحلة.
تغذية اطفال النحل
وشرحت مايا لغنوة : هذه هي
حجرات الولادة. في داخل كل منها نحلة طفلة تبدو كدودة صغيرة بيضاء وأول عمل
ستقومين به هو تقديم الطعام لمائتي طفلة كل الوقت لمدة اسبوع.
فسألت غنوة :
-ومن اين سأجلب الغذاء؟
-قدمي لهن الغذاء الملكي لمدة
ثلاثة ايام، انه حليب ابيض تجدينه في غددك الدرية. أعصريه لهن في كل حجرة. أما
لباقي الأسبوع فاطعميهن مزيجا من عسل وطلع الأزهار الذي نأتي به من الحقول. والان
هيا الى عملك .فلم تضع غنوة اي وقت، بل راحت تركض ليلا نهارا من حجرة الى حجرة ومن
طفلة الى طفل، تمد أخواتها وأخوتها بالغذاء، ووجدت أثناء ذلك عملا آخر تعمله مثل
تنظيف حجرات الولادة وبناء اقراص جديدة من الشمع ورعاية الملكة بيا. وكانت غنوة في
البدء تعتقد ان الملكة هي أكسل من رأت في حياتها. أذ بدت لها لا تعمل شيئا. وكذلك
اخوتها الذكور. أنهم لا يقومون بأي عمل أيضا. لكن في الحقيقة كان على الملكة بيا
أن تبيض ألفي بيضة في اليوم. ففكرت غنوة أن كان هناك أحد يجتهد ويكافح بقدر ما
يكافح النحل.
حراسة مدخل الطائفة
وفي ذات صباح، دخلت نحلة بنية
كبيرة بين الأقراص صائحة :
-نداء الى كل العاملات
الجديدات. اتبعنني.
فلما تجمعت غنوة مع أخواتها،
صفوا في فرق وشرح لأول فرقة كيف تبنى اقراص الشمع بفرزها من غدد بأجسامهن وحياكتها
بأفواههن. ودرّب الفوج الثاني على أنضاج الرحيق بتنشيفه برفيف الأجنحة من الماء
الذي يحمله حتى يصير عسلا سميكا صالحا للحفظ . وكيف يستعملن اجنحتهن ايضا لتهوئة
القفير باستمرار. أما فرقة غنوة فصفت على مدخل الطائفة وقيل لها :
- أما أنتن فأن عملكن مهم
جدا. عليكن أن تمنعن اي غريب من دخول المملكة. أقتلنه بمعقاصكن أذا اضطر الأمر،
لكن لا تدعنه يدخل.
فسألت غنوة :
-وكيف نعرف النحلة الغريبة
عنا ؟
فأذا الجواب :
- هذا هين. شمي رائحتها.
فلكل طائفة نحل رائحة خاصة
بها. وهذا ما لم يخطر ببال غنوة أبدا. وفي اليوم التالي جاءت نحلة غريبة تتسلل الى
طائفة غنوة، فهجمت عليها أحدى رفيقاتها واشتبكت معها في معركة طويلة ومميتة. أذ أن
النحلة تموت عندما تعقص، ومع ذلك فلو سألت غنوة أخواتها عن الميتة المشرفة لأجبنها
بالتأكيد : أن نستشهد في سبيل المملكة. ويوم كانت غنوة تعمل حارسة رأت انها تستطيع
ان تغتنم بعض الوقت لتتعلم الطيران، فراحت تلم من شجرة اللوز التي تظلل بيتها
الدنج الذي يستعمله النحل كطلاء لأصلاح تفسخات المسكن. وكانت غنوة تحلم بذلك اليوم
العظيم الذي تصبح فيه نحلة حقل لتساهم في جني عسل المملكة.
الخروج الى الحقول
وأخيرا جاء ذلك اليوم الكبير.
فوقفت غنوة على استعداد للطيران الى الحقول المجاورة لترى مروج النفل وشقائق
النعمان وباقي الأزهار التي طالما سمعت عنها بشغف في ليالي الشتاء الطويلة. وكانت
رفيقتها في أول رحلة طيران نحلة عتيقة تدعى جادة، راحت تعطيها نصائح رئيسية في
أصول الجنى أثناء طيرانهما جنبا الى جنب :
- أبدئي بنوع واحد من الزهور
وانتهي به. ستجدين الرحيق في أعماق قلب الزهرة. غوصي ومصيه. أما الطلع فعلى رؤوس
قضبانها. جمعيه في كرات تحت ساقيك
انما لا تحملي اكثر من قدرتك حتى تستطيعي ان تعودي الى البيت. حافظي ايضا على
نظافة الرحيق، وتذكري انه سيصير عسلا لنا، وسيغذي أطفال لبنان ويعيد الشباب الى
شيوخه والصحة الى مرضاه. وسيشحن الى اربعة اقطار العالم سفيرا للطيب والعطر وشمس
لبنان. والان حظا سعيدا. ولا تهتمي بهؤلاء الكسالى الجنادب والفراشات.
آه نسيت أن اقول لك : لا
تحملي هم الأزهار. انها تحب ان تزوريها، فالطلع الذي يعلق بجسمك الموبر ينتقل من
الزهرة الذكر الى الزهرة الأنثى فينقل لها اللقاح فتثمر وتستمر. حظا سعيدا مرة
اخرى والى اللقاء.
وأول ما حطت غنوة على زهرة
نفل جميلة كقلب الفريز. فمدت لسانها الرخص الطويل بين عروقها الشهية وراحت تمص
لأول مرة في حياتها، ثم قامت جذلى في الهواء وانتقلت الى زهرة ثانية وثالثة ورابعة
تعب ولا تشبع كرضيع مفطوم وتكمش بصدر امه. وفي نفس الوقت راحت تكتل على رجليها
كرتين من طلع الأزهار، وكانت منتشية الى درجة انها ودت لو تستطيع ان تعب دم كل
الأزهار. ولكن سرعان ما وجدت المسكينة أن جسمها الصغير قد بدأ ينوء بما يحمل من
رحيق وطلع
- حسنا قالت لنفسها، من
الأفضل أن أعود الان الى البيت. علي ان اطير فوق هذا الطريق كيلومترا، وآمل ان اصل
الى بيتي سالمة.
وعندما اجتازت حقلا من شقائق
النعمان، صرخت بها أزهاره :
- تعالي الينا، تعالي الينا .
فنزلت غنوة الى اقرب زهرة
وأسرّت في اذنها :
- أخبري اخواتك انني سأزورهن
غدا. لأنني اليوم مشغولة بمص رحيق أزهار النفل. لكن لا تحملن هما. سآتي غدا.
ثم طارت سالمة الى بيتها حيث
سلمت عسلها الى النحلات المختصات بالتخزين ودخلت بنفسها لتفرغ حملها من الطلع في حجرات قريبة من غرف ولادة
الأطفال ليبقى في متناول الممرضات الساهرات على تغذيتهم.
قالت النحلة لجيز الحصاد
وفي ذات يوم التقت غنوة في
حقل القمح بجيز الحصاد زيزو الذي ابتدرها قائلا :
- لا استطيع فهمكن. تعملن طول
الصيف بالليل والنهار في جمع رحيق الأزهار وطلعها، وعندما تموت الواحدة منكن، أذا
على فمها ابتسامة سعادة. أنني لا ارى اي معنى لهذا ابدا.
فنرفزت غنوة قليلا :
- أنت ايها الكسول، لو كان
عندك مفهوم للحياة، لما كنت تقضي عمرك هكذا تأكل وتشرب وتنام في ظل سنبلة. أنك
شرير بمقدار الجنادب وباقي الكسالى. لماذا لا تصنعون شيئا جميلا كعائلة النحل ؟
- هه، قال جيز الحصاد، وأي
شيء جميل تفعلونه ؟
- نصادق الأزهار والأنسان
وننقل الطلع من زهرة الى أخرى فنتيح لها اللقاح والأثمار واستمرار نوعها في
الحياة. كما نجمع العسل ونخزنه في اقراص من شمع نظيف. فهل هناك حياة أجمل من هذه ؟
وأن كان علينا ان نموت أخيرا بعد ان نعمل عملنا فنموت سعداء، لأننا نعرف ان عندنا
مخزنا مليئا بالعسل والطلع يتغذى به اولادنا من بعدنا طوال الشتاء الآتي. ونحن على ثقة ان ابناء مملكتنا هؤولاء
سيتابعون رسالتنا في الربيع القادم .وهكذا الى الأبد. أنها قصيرة ولكن سعيدة ومنتجة حياتنا التي نحياها. وهي الحياة
الوحيدة لنا ايها السيد.
وهنا طارت النحلة غنوة تاركة
وراءها جيز الحصاد زيزو يتمتم :
- لا ارى اي معنى لهذا.
اطلاقا.
يوم الوداع
وأخيرا جاء يوم فأذا بغنوة
متعبة الى درجة انها شعرت انها لن تستطيع الوصل الى البيت. كانت اجنحتها قد تقصفت
وتكسر معظمها كطائرة عتيقة. وكان وبرها الجميل قد وقع كله عن جسمها لشدة ما انحف
على جدران غرف الولادة وحجرات خزن العسل، وايضا صعودا ونزولا في قلب الأزهار. لكن
غنوة كانت تشعر بهدوء النفس وهي تواجه مصيرها. لقد عملت بجد وها هي مستعدة لأن
تذهب. ولو خيرت في امنية لهذا النهار لتمنت الأزدهار لمملكتها قبل ان تتمنى اياما
اخرى لنفسها. وهكذا دخلت غنوة في سبات عميق الى أن تعود وتولد نحلة جديدة.
رشيد يزبك